الاثنين، 29 أغسطس 2016

الكبر

الكبر
البحر الرائق-الشيخ أحمد فريد
قال تعالى :

(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ) (الأعراف/146) ،
وقال تعالى :
 (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ.. 
قال تعالى :
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ) (الأعراف/146) ،
وقال تعالى :
(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر/35)
 وقال تعالى : (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) (النحل/23) ،
 وقال عز وجل :
(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر/60) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - ":
يقول الله تعالى : الكبرياء ردائي ،
والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي " (رواه مسلم) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :
" لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطرًا" (رواه البخاري) .
وروى مسلم في صحيحه عن رسول الله
 - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
 " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ،
فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنـًا ونعله حسنـًا ،
 فقال : إن الله جميل يحب الجمال ،
الكبر بَطَرُ الحقِّ وغمط الناس" (رواه مسلم) .
ومعنى بطر الحق : الاستنكاف عن قبوله ورده والنظر إليه بعين الاستصغار ،
 وذلك للترفع والتعاظم ، ومعنى غمط الناس : إزدراؤهم واحتقارهم.

بيان ما يتكبر به :
أولاً : العلم :
وما أسرع الكبر إلى بعض العلماء فلا يلبث أن يستشعر في نفسه كمال العلم ،
 فيستعظم نفسه ويحتقر الناس ويستجهلهم
ويستخدم من خالطه منهم وقد يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم .
الثاني : الكبر بالحسب والنسب :
فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب ،
وإن كان أرفع منه علمـًا وعملاً ،
وهذا من فعل الجاهلية كما جاء أن أبا ذرٍ - رضي الله عنه -
 قال : قاولت رجلاً عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فعيرته بأمه فغضب -
 صلى الله عليه وسلم - وقال :
" يا أبا ذر إنك امروء فيك جاهلية : هم إخوانكم "
(رواه مسلم) .
الثالث : الكبر بالمال :
وذلك يجري بين الأغنياء في لباسهم وخيولهم ومراكبهم
فيحتقر الغني الفقير ويتكبر عليه ، وكل ذلك جهل منهم بفضيلة الفقر وآفة الغنى .
الرابع : التكبر الأتباع والأنصار والعشيرة :
فهذه الأمور السابقة هي بعض ما يتكبر به الناس بعضهم على بعض ،
نسأله تعالى العون بلطفه ورحمته .
واعلم أن التكبر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ، ونظره شزرًا ،
 وفي أقواله حتى في صوته ونغمته ،
ويظهر في مشيته وتبختره ، وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته ،
فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ،
 ومنهم من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض ،
فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له أوبين يديه ،
ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره خلفه ،
 ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلاً في بيته ،
والتواضع خلافه : جاء أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيوف ،
وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف : أقوم إلى السراج فأصلحه ؟
فقال : ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه ،
 قال : أفأنبه الغلام ؟ فقال : هي أول نومة نامها ،
فقام وملأ المصباح زيتـًا فقال الضيف : قمت أنت يا أمير المؤمنين ؟
 فقال : ذهبت وأنا عمر ، ورجعت وأنا عمر ، ما نقص مني شيء ،
 وخير الناس من كان عند الله متواضعـًا .
وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي
- صلى الله عليه وسلم - فينبغي أن يقتدى به .
قال ابن أبي سلمة : قلت لأبي سعيد الخدري :
ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم ؟
 فقال : يا ابن أخي ، كل لله واشرب لله والبس لله ،
 وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهات أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف ،
وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - في بيته ، كان يحلب الشاة ،
ويخصف النعل، ويرقع الثوب ، ويأكل مع خادمه ،
 ويشتري الشيء من السوق لا يمنعه الحياء أن يعلق الإناء بيده ،
ويصافح الغني والفقير ،
 ويسلم مبتدئـًا على كل من استقبله من صغير أو كبير ،
 ويجيب إذا دُعيَ ولا يحقر ما دُعيَ إليه ، لين الخلق ،
جميل المعاشرة ، طليق الوجه ، شديدًا في غير عنف ،
متواضعـًا في غير مذلة ، جوادًا من غير سرف ،
رقيق القلب ،
زادت عائشة - رضي الله عنها - وأنه - صلى الله عليه وسلم -
لم يمتلئ قط شبعـًا ، ولم يبث إلى أحد شكوى ،
وكان يقول : " البذاذة من الإيمان "
(رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم ، وصححه الألباني) .
فقال هارون :
سألت عن معنى البذاذة فقال : هو الدون من اللباس ،
 فمن طلب التواضع فليقتد به - صلى الله عليه وسلم -
ومن لم يرض لنفسه بذلك فما أشد جهله ،
 فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - أعظم خلق الله في الدنيا والدين ،
 فلا عز ولا رفعة إلا في الاقتداء به .
قال كعب : ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله
إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجته في الآخرة .

الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع :
اعلم أن الكبر من المهلكات ، وإزالته فرض عين ،
 ولا يزول بمجرد التمني، بل بالمعالجة ، وفي معالجته مقامان :
أحدهما : قطع شجرته من مغرسها في القلب .
الثاني : دفع العرض منه بالأسباب التي قد يتكبر بها .
المقام الأول : في استئصال أصله ،
وعلاجه علمي وعملي ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما إن شاء الله تعالى .
أما العلمي : فهو أن يعرف نفسه ويعرف صفات ربه تبارك وتعالى ،
 ويكفيه ذلك في إزالة الكبر ،
 فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه لا يليق به إلا التواضع ،
وإذا علم صفات ربه عز وجل علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا لله عز وجل .
المقام الثاني : يدفع العارض منه بالأسباب التي ذكرناها ،
 فمن تكبر بنسبه فليداو قلبه بمعرفة أن هذا جهل من حيث
أنه تعزز بكمال غيره ، ولذلك قال الشاعر :
لَئِنْ فَخَرْتَ بَآبَاءٍ ذَوي نَسَبٍ      لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكَنِ بِئْسَ مَا وَلَدُوا
ومن كان خسيسـًا فمن أين يجبر خسته ؟ بكمال غيره ، و
بمعرفة نسبه الحقيقي - أعني أباه وجده -
فإن أباه القريب وجده البعيد تراب ،
 ولقد عرَّف الله تعالى نسبه فقال :
(وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)
(السجدة/7 ، 8).
أما التكبر بالغنى وكثرة المال وفي معناه كثرة الأتباع
والأنصار والتكبر بالمناصب والولايات فكل ذلك تكبر
بمعنى خارج عن ذات الإنسان ، وهذا أقبح أنواع الكبر ،
 فلو ذهب ماله أو احترقت داره لعاد ذليلاً ،
وكم من اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل فأفٍ لشرف
 يسبقه به يهودي أو يأخذه سارق في لحظة فيعود ذليلاً مفلسـًا .
أما التكبر بالعلم والعبادة وهو أعظم الآفات فعلاجه بأمرين :
أحدهما : أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد
وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عُشْرُهُ من العالم ،
 فإن عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش وخطره أعظم .
ثانيهمـا : أن يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده ،
وأنه إذا تكبر صار عند الله ممقوتـًا بغيضـًا ،
 فهذا مما يزيل التكبر ويبعث على التواضع .

النفاق .. هدمٌ من الداخل

النفاق .. هدمٌ من الداخلإن النفاق داء عضال، وانحراف خلقي خطير في حياة الأفراد،
 والمجتمعات، والأمم، فخطره عظيم، وشرور أهله كثيرة،
وتبدو خطورته الكبيرة حينما نلاحظ آثاره المدمرة على الأمة كافة، وعلى.. 
إن النفاق داء عضال، وانحراف خلقي خطير في حياة الأفراد،
 والمجتمعات، والأمم، فخطره عظيم، وشرور أهله كثيرة،
وتبدو خطورته الكبيرة حينما نلاحظ آثاره المدمرة على الأمة كافة،
 وعلى الحركات الإصلاحية الخيِّرة خاصة؛ إ
ذ يقوم بعمليات الهدم الشنيع من الداخل،
بينما صاحبه آمن لا تراقبه العيون ولا تحسب حسابًا لمكره ومكايده،
إذ يتسمى بأسماء المسلمين ويظهر بمظاهرهم ويتكلم بألسنتهم.
وإذا نظرت إلى النفاق نظرة فاحصة لوجدته طبخة شيطانية
 مركبة من جبن شديد،
 وطمع بالمنافع الدنيوية العاجلة، وجحود للحق،
وكذب.. ولك أن تتخيل ما ينتج عن خليط كهذا!!.
وإذا نظرنا إلى النفاق في اللغة لوجدناه من جنس الخداع والمكر،
وإظهار الخير وإبطان الشر.

أقسام النفاق:
ذكر كثير من أهل العلم أن النفاق قسمان:
النفاق الاعتقادي: ويسميه بعضهم: النفاق الأكبر،
 وبينه الحافظ ابن رجب رحمه الله بأن:
يُظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،
 ويبطن ما يناقض ذلك كلَّه أو بعضه.
قال: وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.
قال الله تعالى:
(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا).
(النساء:145).
الثاني فهو النفاق العملي أو الأصغر،
 وهو التخلق ببعض أخلاق المنافقين الظاهرة كالكذب،
والتكاسل عن الصلاة..مع الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر،
كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم:
 "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان".
وقوله صلى الله عليه وسلم:
"أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر،
ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا".

 من أهم صفات المنافقين:
إن للمنافقين صفات كثيرة نشير إليها مجرد إشارات مختصرة،
 وإلا فإن التفصيل يحتاج إلى مؤلفات تفضح ما هم عليه،
 ومن هذه الصفات:
1-   أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)
[البقرة:8].
2-   أنهم يخادعون المؤمنين:
(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)
[البقرة:9].
3-   يفسدون في الأرض بالقول والفعل:
 (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)[البقرة:12].
4-   يستهزءون بالمؤمنين:
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
[البقرة:14، 15]
5-   يحلفون كذبًا ليستروا جرائمهم:
(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[المنافقون:2].
6-   موالاة الكافرين ونصرتهم على المؤمنين:
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * 
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً *
 وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ
غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً)
[النساء:138-140].
ويقول الله عز وجل:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ
أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ
وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)
[الحشر:11، 12].
7-   العمل على توهين المؤمنين وتخذيلهم:
(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً *
 وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ
فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ
وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً *
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً *
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً *
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً *
 قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً
أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً *
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ
لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً)
[الأحزاب:12-18].
8-   تدبير المؤامرات ضد المسلمين أو المشاركة فيها،
والتاريخ مليء بالحوادث التي تثبت تآمر المنافقين ضد أمة الإسلام،
بل واقعنا اليوم يشهد بهذا، فما أوقع كثيرًا من المجاهدين في قبضة الكافرين
 والأعداء إلا تآمر هؤلاء المنافقين في فلسطين، في الشيشان، وغيرهما.
9-   ترك التحاكم إلى الله ورسوله:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا
بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً *
 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ
رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً *
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً *
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)
[النساء:60-63].
هكذا حال المنافقين، فهم حين لا يقبلون حكم الله ورسوله،
 ويفتضح نفاقهم، يأتون بأعذار كاذبة ملفقة،
ويحلفون الأيمان لتبرئة أنفسهم،
ويقولون: إننا لم نرد مخالفة الرسول في أحكامه،
وإنما أردنا التوفيق والمصالحة،
وأردنا الإحسان لكل من الفريقين المتخاصمين.
 ومن عجيب أمرهم في ذلك أنهم إذا وجدوا الحكم لصالحهم قبلوه،
 وإن يك عليهم يعرضوا عنه،
كما أخبر الله بذلك حيث قال:
(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ
 مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *
 وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ *
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ *
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
[النور:47-50].
10- ومن صفاتهم الخبيثة طعنهم في المؤمنين وتشكيكهم في نوايا الطائعين:
 (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
[التوبة:79].
فهم لا يعرفون الإخلاص، وما تحققت في قلوبهم العبودية لله،
 فظنوا أن المؤمنين كالمنافقين ، لا يفعلون طاعة إلا لغرض دنيوي،
 فالفنانة التي تابت قبضت الملايين-بزعمهم-،
 والمجاهدون قوم فشلوا في الحياة فاختاروا الانتحار... إلخ.
وفي نهاية حديثنا عن النفاق نود أن نبين أن ما ذكرناه إنما هو قليلٌ
من كثير من صفاتهم، وربما كان لنا معهم وقفات أخرى.
أعاذنا الله وإياكم من النفاق، وكفى الأمة شر المنافقين.

 
 
خطر النفاق 
ما هو النفاق وما خطره على المسلمين ؟.
الحمد لله
النفاق مرض خطير وجرم كبير وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر..
والنفاق أخطر من الكفر وعقوبته أشد لأنه كفر
 بلباس الإسلام وضرره أعظم ولذلك جعل الله المنافقين في أسفل النار
 كما قال سبحانه :
( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً )
 النساء/145 .
المنافقون دائماً في حيرة وتقلب في خداع ومكر ظاهرهم مع المؤمنين ..
 وباطنهم مع الكافرين حيناً مع المؤمنين وحيناً مع الكافرين
( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً )
النساء/143 .
والمنافقون لفساد قلوبهم أشد الناس إعراضاً عن دين الله
 كما أخبر الله عنهم بقوله :
( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول
رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ) النساء/61 .
وتصرفات المنافقين تدور مع مصالحهم فإذا لقوا المؤمنين
أظهروا الإيمان والموالاة غروراً منهم للمؤمنين , ومصانعة , وتقية ,
 وطمعاً فيما عندهم من خير ومغانم ..
وإذا لقوا سادتهم وكبرائهم قالوا نحن معكم على ما أنتم عليه من الشرك ,
 والكفر كما قال سبحانه عنهم :
( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم
قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ،
الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) البقرة/14-15 .
وللمنافقين صفات كثيرة أشرها وأخطرها الكفر بالله قال تعالى :
( وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن
 كما آمن السفهاء ألا إنهم السفهاء ولكن لا يعلمون ) البقرة/13 .
ومن صفاتهم العداوة والحسد للمؤمنين كما قال سبحانه :
 ( إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا
قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون ) التوبة/50 .
ومن صفاتهم الاستهزاء بالله ورسوله ودينه كما قال سبحانه :
( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ،
 لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم )
التوبة/65- 66 .
ومن صفاتهم الفساد في الأرض بالكفر والنفاق والمعاصي ..
قال تعالى :
 ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون
 ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) البقرة/11-12 .
ومن صفاتهم البهتان والكذب كما أخبر الله عنهم بقوله :
( ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون )
 المائدة/65 .
ومن صفاتهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف
والبخل بالمال كما أخبر الله عنهم بقوله :
( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر
وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم
 إن المنافقين هم الفاسقون ) التوبة/67 .
ومن صفاتهم الطمع والجشع ..
 ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا
وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) التوبة/58 .
ومن صفاتهم ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله :
( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً , ومن كانت فيه خلة
منهن كانت فيه  خلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر ,
 وإذا وعد أخلف , وإذا خاصم  فجر ) رواه مسلم/53 .
ومن صفاتهم الاهتمام بالمظهر و فساد المخبر وزخرفة
القول كما قال الله عنهم :
( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم
 خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو
فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ) المنافقون/4 .
وإذا كان الكفار عدواً مبيناً من الخارج فإن المنافقين عدواً
خفياً من الداخل ,
 وهم أعظم ضرراً و أشد خطراً على المسلمين لأنهم يخالطونهم
ويعلمون أحوالهم ..
وقد قضى الله أن مصير الكافرين و المنافقين إلى جهنم :
( إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ) النساء/140 .
لكن المنافقين لعظيم ضررهم في أسفل النار كما قال سبحانه :
( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) النساء/145 .
وحيث أن خطر الكفار و المنافقين على الأمة الإسلامية عظيم
 لذا أمر الله رسوله بجهادهم فقال :
 ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم
ومأواهم جهنم وبئس المصير ) التحريم/9 .  
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري .
 

الحسد.. تعريفه، حكمه، آثاره، أسبابه وعلاجه

الحسد.. تعريفه، حكمه، آثاره، أسبابه وعلاجه

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد:
فقد جعل الله المحبة الخالصة بين المسلمين هي أوثق عرى المحبة في الله،
 وجمع المتحابين تحت ظلال عرشه،
ووثق الإسلام بذلك بوجوب المحافظة على مال المسلم وعرضه ونفسه،
بأن لا يصيبه أذى ولا يُمس بسوء.
ولكن تبحر بعض النفوس في مياه آسنة،
تتشفّى ممن أنعم الله عليهم ورزقهم من خيره بالحقد والحسد،
فيثمر ثمراً خبيثاً غيبةً ونميمةً واستهزاء وغيرها.
ولا يخلو مجتمع من تلك النفوس الدنيئة.
لذلك كان لزاماً علينا معشر الدعاة أن نطرح مثل هذه المواضيع
 التي انتشرت في المجتمع الإسلامي بل في الأوساط الشبابية
وحلق التحفيظ فقد يحسد الشاب أخاه على حسن صوته
 أو لحفظه الجيد أو لعبادته.
وسيكون عرض هذا الموضوع على طريقة السؤال والجواب
لأنها أسرع للفهم والحفظ.
تعريف الحسد
هو تمني زوال النعمة عن المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها.
أنواعه
1- كراهه للنعمة على المحسود مطلقاً وهذا هو الحسد المذموم.
2- أن يكره فضل ذلك الشخص عليه فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه وهذا الغبطة.
مراتب الحسد
1- يتمني زوال النعمة عن الغير.
2- يتمنى زوال النعمة ويحب ذلك وإن كانت لا تنتقل إليه.
3- أن يتمنى زوال النعمة عن الغير بغضاً لذلك الشخص لسبب شرعي
 كأن يكون ظالماً.
4- ألا يتمنى زوال النعمة عن المحسود ولكن يتمنى لنفسه مثلها،
 وإن لم يحصل له مثلها تمنى زوالها عن المحسود حتى يتساويا
ولا يفضله صاحبه.
5- أن يحب ويتمنى لنفسه مثلها فإن لم يحصل له مثلها فلا يحب زوالها
عن مثله وهذا لا بأس به.
حكم الحسد
حرام؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
« لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا،
 وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث »
رواه مسلم.
الأسباب التي تؤدي إلى الحسد
يمكن تقسيم الأسباب إلى أسباب من الحاسد أو من المحسود أو قد يشترك
 فيها الإثنان.
1- العدواة والبغضاء والحقد (هذا السبب من الحاسد).
2- التعزز والترفع (هذا السبب من الحاسد).
3- حب الرئاسة وطلب الجاه لنفسه (هذا السبب من الحاسد).
4- ظهور الفضل والنعمة على المحسود.
5- حب الدنيا (هذا السبب من الحاسد).
6- الكبر (هذا السبب من المحسود).
7- شدة البغي وكثرة التطاول على العباد (هذا السبب من المحسود).
8- المجاورة والمخالطة (هذا السبب يشترك فيه الحاسد والمحسود).
بعض آثار الحاسد وأضراره على الفرد والمجتمع
1- حلق الدين « دبّ إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد هي الحالقة
حالقة الدين لا حالقة الشعر ».
2- إنتفاء الإيمان الكامل « لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله
وفيح جهنم ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد ».
3- رفع الخير وانتشار البغضاء في المجتمع
« لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا » .
4- اسخاط الله وجني الأوزار
« الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ».
5- مقت الناس للحاسد وعداوتهم له
« شر الناس من يبغض الناس ويبغضونه ».
6- الحاسد يتكلم في المحسود بما لا يحل له من كذب وغيبة وإفشاء سر.
الموقف الذي يجب أن يقفه المحسود من الحاسد
1- الرجوع إلى الله وتجديد التوبة مع الله من الذنوب التي سلَّطَتْ عليه أعداءه.
2- التوكل على الله.
3- الاستعاذه بالله وقراءة الأذكار والأوراد الشرعية.
4- دعاء الله بأن يقيك من الحساد.
5- العدل مع الحاسد وعدم الإساءة إليه بالمثل.
6- الإحسان إلى الحاسد.
7- الرقية.
8- عدم إخبار الحاسد بنعمة الله عليك.
لو قال قائل أنا أبتليت بالحسد! فكيف أزيل الحسد من قلبي؟
1- التقوى والصبر.
2- القيام بحقوق المحسود.
3- عدم البغض.
4- العلم بأن الحسد ضرر على الحاسد في الدنيا والآخرة.
5- الثناء على المحسود وبرّه.
6- إفشاء السلام.
7- قمع أسباب الحسد من كبر وعزة نفس.
8- الإخلاص.
9- قراءة القرآن.
10- تذكر الحساب والعقاب.
11- الدعاء والصدقة.
تأمل في الأدلة التالية واستنتج منها مظاهر قبح الحسد..
1- قال تعالى { وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ
 كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ }.
مظهر قبح الحسد أنه أول ذنب عصي الله به في السماء.
2- قال تعالى { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ
مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }.
مظهر قبح الحسد أنه أول ذنب عصي الله به في الأرض.
3- قال تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ
كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }.
مظهر قبح الحسد أنه من صفات الكفار من اليهود والنصارى.
4- قال صلى الله عليه وسلم:
« لا يجتمع في جوف عبد، غبار في سبيل الله
وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد، الإيمان والحسد ».
مظهر قبح الحسد أنه يضاد الإيمان بالله تعالى.
5- قال صلى الله عليه وسلم:
« دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء ».مظهر قبح الحسد أنه داء وقع فيه جميع الأمم من قبلنا.

الغل .. والطريق الى الهاوية

يقول النبي قال صلى الله عليه وسلم:
 (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا [أي المقاطعة]، وكونوا عباد الله إخوانًا) [متفق عليه].
يقول العلامة ابن حجر رحمه الله معلقًا على هذا الحديث:
(أي لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأن البغض لا يُكتَسب ابتداءً...
وحقيقة التباغض أن يقع بين اثنين، وقد يطلق إذا كان من أحدهما،
والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى؛ فإنه واجب فيه،
ويثاب فاعله لتعظيم حق الله،
ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السلامة،
كمن يؤديه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر؛
 فيبغضه على ذلك وهو معذور عند الله)
[فتح الباري، ابن حجر، (17/231)].
 

 
أخي الشاب:
وقد حرَّم الله على المؤمنين كل ما من شأنه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء،
كما قال تعالى:
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
 وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}
 [المائدة:91]،
 ومن ثَم كان الحقد محرمًا؛ لأنه سبب رئيس في وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين.
 

 
خطورة الغل وضرره:
1ـ التعاسة والشقاء في نفس الحاقد:
يقول الشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله:
 (والحقد حين تحليله يتبين من عناصره ما يلي:
أولاً ـ الكراهية الشديدة والبغض العنيف.
وثانيًا ـ الرغبة في الانتقام وإنزال السوء بمن يكرهه الحاقد.
وثالثًا ـ تخزين العنصرين السابقين في قرارة النفس،
وتغذيتهما بالأوهام والتصورات والاسترجاعات المختلفة للمشاهد،
مع مثيرات جديدة للكراهية والرغبة في الانتقام.
تتفاعل هذه كلها تفاعلاً يأكل نفس الحاقد من الداخل،
 وتتغلغل هذه الدوافع في النفس تغلغلاً يسبب التآكل الداخلي،
 والانهيار في النهاية في نفس الحاقد؛ لأنه يُشغل القلب،
ويُتعب الأعصاب، ويُقلق البال، ويَقضُّ المضجع،
 وقد تُظلِم الدنيا في وجه الحاقد، وتضيق به على سعتها،
 وتتغير معاملته حتى لأهله وأولاده؛
 لأن الحقد يضغط عليه من كل جانب،
 وقد تتسع دائرة الحقد لتشمل الأبرياء،
كما لو كرهت امرأة زوجها لإهانته وشتمه لها وتعذيبها،
 فقد تكره جميع الرجال،
أو يظلم والد ولده ويذيقه ألوان العذاب ويقسو عليه
ويحرمه ألوان العطف والحنان، فيكره الولد كل الآباء ... وهكذا)
[تصفية النفوس من الأحقاد للشيخ: محمد صالح المنجد].
(فلا تحقد على أحد؛ فالحقد ينال منك أكثر مما ينال من خصومك،
 ويبعد عنك أصدقاءك كما يؤلِّب عليك أعداءك،
ويكشف من مساوئك ما كان مستورًا،
 وينقلك من زمرة العقلاء إلى حثالة السفهاء،
 ويجعلك بقلب أسود ووجه مُصفَر، وكبد [حرّى])
 [حرمة المسلم على المسلم، ماهر ياسين الفحل، ص(14)].
 

 
الحقد يجلب الحسد:
فأنت إذا حقدت على أخيك المسلم؛
فلاشك أنك ستحسده على النعم التي أفاء الله بها عليه،
 وأنك سَتُسَرُّ بالمصائب التي تصيب أخاك المسلم،
 وهذا بلاشك من صفات المنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر؛
 قال تعالى: {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِم دَائِرةُ السَّوءِ} [التوبة: 98]،
 ولعل الحقد يزداد عند بعضهم فيدفعه على التشمت بالآخرين.
 فالحسد آفة عظيمة، فهو من كبائر الذنوب؛
 (لأنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؛
 ولأنه من خصال اليهود،
كما قال الله تعالى:
 {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}
[النساء: 54]،
 وقال تعالى:
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ
 كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109])
 [لقاءات الباب المفتوح، الشيخ ابن عثيمين، اللقاء رقم (165)].
 

 
الغل والحقد مدعاة إلى فساد ذات البَين:
وهذا أمر طبيعي؛
فالإنسان الذي يحقد على أخيه المسلم سيدعوه هذا إلى مقاطعته وهجره،
والعكس صحيح؛ فمن علم أن هناك من يحقد عليه من المسلمين،
 فمن المؤكد أنه سيهجره ويقاطعه، وهو أمر مخالف لشرع الله تعالى؛
يقول صلى الله عليه وسلم:
(إياكم وسوء ذات البَين، فإنها الحالقة)
[حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي،
 رقم (2508) (فالحالقة هي الخصلة التي من شأنها
أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين؛ كما يستأصل الموسى الشعر)
[تحفة الأحوذي، المباركفوري، (6/301)].

 
الغل طريق موصلة للكذب والغيبة والنميمة:
فالغل يؤدي بك إلى أن تتكلم في أخيك المسلم بما لا يحل،
 وقد يئول بك ذلك إلى الكذب عليه أو غيبته وإفشاء سره وهتك ستره؛
بل ربما دفعك ذلك إلى وشايته بما يئول إلى قتله،
إلى غير ذلك من الأضرار التي تنجم عن الحقد؛
 كالاستهزاء به والسخرية منه، وإيذاءه بالضرب،
أو أن تمنعه حقه من قضاء دَين أو صلة رحم أو رد مظلمة،
 وكل ما ذُكِرَ من أضرار الحقد إنما هي معاصٍ يُحاسَب عليها العبدُ يوم القيامة،
ويجد ذلك مكتوبًا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها،
وسيكون حينذاك الندم، لكن لا ينفع الندم.
فمن امتلأ قلبه بالغل والحقد سيسعى جاهدًا أن يَحُطَّ من منزلة
 من يحقد عليه بين الناس بالغيبة والنميمة،
ونشر الأكاذيب والأراجيف حوله،
 والغيبة والنميمة من كبائر الذنوب وصاحبها على خطر عظيم،
كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِ
ثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ
 أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}
[الحجرات: 12].
وقد ترى هذا بكثرة للأسف الشديد بين أوساط الدعاة وطلبة العلم،
 ممن لم يتحلوا بأخلاق العلم والعلماء؛
فتجد بعضهم يتكلم على بعض وتنتشر الاتهامات بالتبديع والتفسيق،
 ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 

 
الغل والحقد يوقع صاحبه في مجموعة من الأمور المحرمة:
قال الغزالي: (والحقد يثمر ثمانية أمور:
(1) الحسد:
وهو أن يحمل الحاقد على أن يتمنى زوال النعمة عن المحقود عليه،
فيَغتَم بنعمة إن أصابها، ويُسَر بمصيبة إن نزلت به.
(2) أن يزيد الحاقد على إضمار الحسد في الباطن،
 فيشمت بما أصابه من البلاء.
(3) أن يهجر ويصارم وينقطع عنه،
 وإن طلب وأقبل على المحقود عليه وهو دونه.
(4) أن يعرض الحاقد عن المحقود عليه استصغارًا له.
(5) أن يتكلم الحاقد في المحقود عليه بما لا يحل؛
من كذب، وغيبة، وإفشاء سر، وهتك ستر، وغيره.
(6) أن يحاكي الحاقد المحقود عليه استهزاء به، وسخرية منه.
(7) الاعتداء عليه بأي صورة من الصور.
(8) أن يمنعه حقده من قضاء دَيْن، أو صلة رحم،
أو رد مظلمة، وكل ذلك حرام)
[إحياء علوم الدين، الغزالي، (2/369)].
  
الغل والحقد قد يدفع صاحبه إلى القتل:
 
كما حدث مع ابني آدم عليه السلام حين قتل أحدهما
 الآخر بسبب الحقد والحسد؛
قال تعالى:
 {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ
مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ
قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)
 لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
 لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ
النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) }
[المائدة: 27-30].
يقول تعالى مبينًا وَخِيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم،
 وهما: هابيل وقابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيًا عليه وحسدًا له،
 فيما وهبه الله من النعمة وتَقَبَّل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل،
 ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة،
 وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة)
 [تفسير ابن كثير، (3/81-82)].
 

 
الغل والحقد يؤخر مغفرة الله للعبد:
 
فمن كانت بينه وبين أخيه شحناء وبغض؛
لا يغفر الله له حين ترفع الأعمال لله عز وجل
يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع،
كما قال صلى الله عليه وسلم:
 (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس،
فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا،
 إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء،
فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا،
 أنظروا هذين حتى يصطلحا) [رواه مسلم].
 

 
ورقة عمل:
1.   لا تنم أخي الشاب، وتضع رأسك على السرير،
 وليس في قلبك شيء من الحقد والحسد والغل لأحد من الناس
 سواء كان هذا من الأسرة أو الأصدقاء أو الأقارب.
2.   عندما تغضب من شخص ما،
اذهب إليه وقل له: إنك تضايقت منه في كذا وكذا،
 حتى لا يأخذ في اعتباره ذلك، ثم سامحه واصفح عنه.