الاثنين، 29 أغسطس 2016

شتان بين بيتان…. و بيتان…. حكاية من التراث الفرنسي


الجنرال بيتان…. له وجهان… الوجه الوطني المقاوم الشرس الذي تصدى للجيوش الألمانية الغازية في فردان فضرب مثلا بالشجاعة و التضحية في سبيل الوطن…. و أصبح بذلك بطلا قوميا فرنسيا لا يشق له غبار و تضرب به الأمثال كيف كان يرفع معنويات جنوده و يخلق المفاجآت لعدوه و يستفيد من القليل المتاح لتحقيق الانتصارت من العدم…. و وجه الجندي المتخاذل الذي استسلم للغزاة الألمان إبان الحرب العالمية الثانية دونما معركة و دونما مقاومة…. هو ذاك الوجه البائس في عربة قطار الاستسلام الذي مرّغ كرامة فرنسا و الفرنسيين و سلّم البلاد للغزاة دون قيد أو شرط

بين بيتان الأول و بيتان الثاني قصة…. لم يرويها بيتان…. و لم يذكرها التاريخ….. و ما زالت ربما سرا غامضا لا يعرفه حتى أقرب المقربين من هذا الرجل….. اليوم نستحضر قصة وجهي بيتان…. و نرويها حكاية من التاريخ لعلها تخدم الحاضر…. فقد قالوا لنا أن من لا يقرأ التاريخ…. لا يفهم الحاضر

في فردان في الحرب العالمية الأولى أقسم الألمان على أن يجعلوا فرنسا تنزف حتى الموت… و بهذا يكسروا شوكتها و يحلوا عقدة الحرب و يخرجوا منتصرين…. لكن الجنرال بيتان أقسم هو الآخر على أن فرنسا نعم ستنزف….. لكنها لن تموت أبدا…. و من أجل هذا كان الجنرال بيتان يضحي بخيرة شباب فرنسا ليتصدى للغزاة…… و فعلا نزفت فرنسا خيرة شبابها في فردان…. لكنها لم تمت…. و عاشت فرنسا حرة منتصرة كما أرادها الرجل على دماء شهداءها…. و جاء وقت قطاف ثمار النصر

فبيتان نفسه الذي شحذ همم كل الفرنسيين و أرسل خيرة الشباب على الطريق المقدس ليلقوا الموت المحقق أصبح بطلا يحتفى به و رمزا للفارس المقدام الذي لا يشق له غبار…. أو هكذا أراده الساسة من طبقة الطفيلين الجدد الذين أقبلوا بنهم على ثمار النصر ليقطفوها… و حين لم تعد الثمار تكفي القاطفين بدأوا بالتنازع فيما بينهم…. بدأ الساسة حربهم القذرة على حكم البلاد التي سقاها بدمائهم خيرة شبابها…. و بيتان شاهد على هذا…. فهو من أقسم على أن تنزف فرنسا…. و هو من أقسم على ألا تموت فرنسا…. و هو من دفع شباب البلاد أفواجا أفواجا الى الموت المحقق حتى تعيش فرنسا حرة مستقلة…. و ها هو الآن يشهد أكوام الساسة تتصارع كالثيران فيما بينها على أجساد الشهداء من أجل حكم البلاد

بيتان ظل الجندي الخادم للوطن…. مكانه بين جنوده في ثكنته بعيدا عن ألاعيب السياسة…. و إن كان قلبه يعتصره ألما على هول ما يراه من هؤلاء الأقزام…. ربما كان الشهداء يزورونه كل ليلة…. لا بد لهم من زيارته فهم بمئات الآلاف و قد لاقوا الأهوال في أتون المعركة قبل أن يبلعهم الموت فداءا لبلادهم…. لا بد أنهم كانوا يذكروه بخطب العزيمة و الاصرار التي كان يلقيها عليهم قبل ارسالهم الى الموت…. يذكرونه بكلامه حول عظمة فرنسا التي تهون من أجلها الدماء…. تلك الدماء التي يدوسها الآن بكل صلافة أشنيات السياسة و طحالبها….. فيصحوا على كابوس الحقيقة و على قماءة الواقع…. فهل رمى بأجساد الشهداء حتى يعيث الساسة فسادا في فرنسا؟

ربما كانت القشة التي قسمت ظهر البعير…. و حوّلت بيتان البطل الى بيتان الجبان دون رجعة…. هي تلك اللحظات التي عاشها قبيل الغزو النازي لفرنسا في الحرب العالمية الثانية…. حين أبى الساسة أن يتخلوا عن أنانيتهم و عن مصالحهم الضيقة من أجل مصلحة فرنسا الوطن…. بل ظلوا يتصارعوا فيما بينهم على التفاهات…. و حتى حينما بدأ العدو زحفه على البلاد آكلا مجددا من دماء الفرنسيين عجز هؤلاء الساسة الأقزام عن أن يحيدوا تفاهاتهم و مصالحهم و نظرتهم الضيقة و يتحدوا في وجه العدو الغاشم…. فظلت الحكومات تسقط و تشكل مرات و مرات و دبابات العدو تكتسح غابات الأردان و تسحق الجيش المشتت شيئا فشيئا…. و ظل الساسة متبعثرين لا يجمعهم رأي واحد…. و ظلت المصالح و الانانية هي الحاكم الحقيقي للبلاد

بيتان لم يضح بأبطال فرنسا و خيرة شبابها من أجل هذا الهراء…. فنقطة دم واحدة سالت من أي شهيد تعني له الكثير الكثير…. أكثر من كل هؤلاء الأوباش….. بل حتى تعني له أكثر من فرنسا الحرة المستقلة التي ينهشها الكلاب….. و حينما حلّت الطامة الكبرى…. و وصل الغزاة فرنسا…. دقت ساعة الحقيقة أما بيتان…. كان حينها شيخا ثمانينيا…. لم تعد حياته الشخصية تعنيه فما بقي له الكثير حتى يلحق بركب قوافل الشهداء في فردان…. و اتجهت أنظار الفرنسيين الى بطلهم مرة أخرى لانقاذهم…. لكن التاريخ لا يعيد نفسه…. و بيتان كان قد تعلّم الدرس…. بيتان لن يضحي بشهيد واحد بعد الآن حتى تعيش الحثالة….. هو لن يترك فرنسا تنزف خيرة شبابها بعد الآن حتى تعيش طبقة الطفيليات تلك

بيتان أعلن الاستسلام دون قيد أو شرط….. و أعلن من باريس أن الجيش الفرنسي لن يحارب الألمان بعد الآن…. سموا ذلك ما شئتم فهو قراري…. سموه تخاذل…. سموه جبن….. لن أطعم الموت أجساد الأبطال بعد ذلك حتى يعيش الحقراء…. لن تنزف فرنسا مجددا حتى تقتات الديدان

مات الجنرال بيتان….. و لم تزل تلك المفارقة تحيّر الجميع…. كيف لبطل أن يختار الترجل عن عرشه حين لم يبق في حياته الا النذر اليسير؟… كيف لمن صنع مجد فرنسا في فردان….. أن يلطّخ تاريخها في عربة الاستسلام تلك حتى تكتب الأجيال أن الفرنسيين كانوا جبناء و سلموا أرضهم للغزاة؟

الآن فهمتك يا بيتان…. لقد فهمتك يا بيتان…. فأنا أرى الآن ما رأيته أنت في فرنسا مابين الحربين حاضرا أمامي في بلادي…. حيث يموت الأبطال…. حتى يقتات البعض على دماءهم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق