الكبر
البحر الرائق-الشيخ أحمد فريد
قال تعالى :
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ) (الأعراف/146) ،
وقال تعالى :
(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ..
قال تعالى :
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ) (الأعراف/146) ،
وقال تعالى :
(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر/35)
وقال تعالى : (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) (النحل/23) ،
وقال عز وجل :
(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر/60) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - ":
يقول الله تعالى : الكبرياء ردائي ،
والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي " (رواه مسلم) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :
" لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطرًا" (رواه البخاري) .
وروى مسلم في صحيحه عن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ،
فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنـًا ونعله حسنـًا ،
فقال : إن الله جميل يحب الجمال ،
الكبر بَطَرُ الحقِّ وغمط الناس" (رواه مسلم) .
ومعنى بطر الحق : الاستنكاف عن قبوله ورده والنظر إليه بعين الاستصغار ،
وذلك للترفع والتعاظم ، ومعنى غمط الناس : إزدراؤهم واحتقارهم.
بيان ما يتكبر به :
أولاً : العلم :
وما أسرع الكبر إلى بعض العلماء فلا يلبث أن يستشعر في نفسه كمال العلم ،
فيستعظم نفسه ويحتقر الناس ويستجهلهم
ويستخدم من خالطه منهم وقد يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم .
الثاني : الكبر بالحسب والنسب :
فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب ،
وإن كان أرفع منه علمـًا وعملاً ،
وهذا من فعل الجاهلية كما جاء أن أبا ذرٍ - رضي الله عنه -
قال : قاولت رجلاً عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فعيرته بأمه فغضب -
صلى الله عليه وسلم - وقال :
" يا أبا ذر إنك امروء فيك جاهلية : هم إخوانكم "
(رواه مسلم) .
الثالث : الكبر بالمال :
وذلك يجري بين الأغنياء في لباسهم وخيولهم ومراكبهم
فيحتقر الغني الفقير ويتكبر عليه ، وكل ذلك جهل منهم بفضيلة الفقر وآفة الغنى .
الرابع : التكبر الأتباع والأنصار والعشيرة :
فهذه الأمور السابقة هي بعض ما يتكبر به الناس بعضهم على بعض ،
نسأله تعالى العون بلطفه ورحمته .
واعلم أن التكبر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ، ونظره شزرًا ،
وفي أقواله حتى في صوته ونغمته ،
ويظهر في مشيته وتبختره ، وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته ،
فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ،
ومنهم من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض ،
فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له أوبين يديه ،
ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره خلفه ،
ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلاً في بيته ،
والتواضع خلافه : جاء أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيوف ،
وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف : أقوم إلى السراج فأصلحه ؟
فقال : ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه ،
قال : أفأنبه الغلام ؟ فقال : هي أول نومة نامها ،
فقام وملأ المصباح زيتـًا فقال الضيف : قمت أنت يا أمير المؤمنين ؟
فقال : ذهبت وأنا عمر ، ورجعت وأنا عمر ، ما نقص مني شيء ،
وخير الناس من كان عند الله متواضعـًا .
وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي
- صلى الله عليه وسلم - فينبغي أن يقتدى به .
قال ابن أبي سلمة : قلت لأبي سعيد الخدري :
ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم ؟
فقال : يا ابن أخي ، كل لله واشرب لله والبس لله ،
وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهات أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف ،
وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - في بيته ، كان يحلب الشاة ،
ويخصف النعل، ويرقع الثوب ، ويأكل مع خادمه ،
ويشتري الشيء من السوق لا يمنعه الحياء أن يعلق الإناء بيده ،
ويصافح الغني والفقير ،
ويسلم مبتدئـًا على كل من استقبله من صغير أو كبير ،
ويجيب إذا دُعيَ ولا يحقر ما دُعيَ إليه ، لين الخلق ،
جميل المعاشرة ، طليق الوجه ، شديدًا في غير عنف ،
متواضعـًا في غير مذلة ، جوادًا من غير سرف ،
رقيق القلب ،
زادت عائشة - رضي الله عنها - وأنه - صلى الله عليه وسلم -
لم يمتلئ قط شبعـًا ، ولم يبث إلى أحد شكوى ،
وكان يقول : " البذاذة من الإيمان "
(رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم ، وصححه الألباني) .
فقال هارون :
سألت عن معنى البذاذة فقال : هو الدون من اللباس ،
فمن طلب التواضع فليقتد به - صلى الله عليه وسلم -
ومن لم يرض لنفسه بذلك فما أشد جهله ،
فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - أعظم خلق الله في الدنيا والدين ،
فلا عز ولا رفعة إلا في الاقتداء به .
قال كعب : ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله
إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجته في الآخرة .
الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع :
اعلم أن الكبر من المهلكات ، وإزالته فرض عين ،
ولا يزول بمجرد التمني، بل بالمعالجة ، وفي معالجته مقامان :
أحدهما : قطع شجرته من مغرسها في القلب .
الثاني : دفع العرض منه بالأسباب التي قد يتكبر بها .
المقام الأول : في استئصال أصله ،
وعلاجه علمي وعملي ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما إن شاء الله تعالى .
أما العلمي : فهو أن يعرف نفسه ويعرف صفات ربه تبارك وتعالى ،
ويكفيه ذلك في إزالة الكبر ،
فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه لا يليق به إلا التواضع ،
وإذا علم صفات ربه عز وجل علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا لله عز وجل .
المقام الثاني : يدفع العارض منه بالأسباب التي ذكرناها ،
فمن تكبر بنسبه فليداو قلبه بمعرفة أن هذا جهل من حيث
أنه تعزز بكمال غيره ، ولذلك قال الشاعر :
لَئِنْ فَخَرْتَ بَآبَاءٍ ذَوي نَسَبٍ لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكَنِ بِئْسَ مَا وَلَدُوا
ومن كان خسيسـًا فمن أين يجبر خسته ؟ بكمال غيره ، و
بمعرفة نسبه الحقيقي - أعني أباه وجده -
فإن أباه القريب وجده البعيد تراب ،
ولقد عرَّف الله تعالى نسبه فقال :
(وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)
(السجدة/7 ، 8).
أما التكبر بالغنى وكثرة المال وفي معناه كثرة الأتباع
والأنصار والتكبر بالمناصب والولايات فكل ذلك تكبر
بمعنى خارج عن ذات الإنسان ، وهذا أقبح أنواع الكبر ،
فلو ذهب ماله أو احترقت داره لعاد ذليلاً ،
وكم من اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل فأفٍ لشرف
يسبقه به يهودي أو يأخذه سارق في لحظة فيعود ذليلاً مفلسـًا .
أما التكبر بالعلم والعبادة وهو أعظم الآفات فعلاجه بأمرين :
أحدهما : أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد
وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عُشْرُهُ من العالم ،
فإن عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش وخطره أعظم .
ثانيهمـا : أن يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده ،
وأنه إذا تكبر صار عند الله ممقوتـًا بغيضـًا ،
فهذا مما يزيل التكبر ويبعث على التواضع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق